فوزي آل سيف

24

النقي الناصح الإمام علي بن محمد الهادي

ج/ ما ذكره المهاجر من أن عمر بن فرج الرخجي لا علاقة له بالمعتصم وإنما بدأت بزمان الواثق بعد 7 أو 8 سنوات من شهادة الجواد، لا يصح مع وجود الروايات التاريخية التي تشير إلى هذه العلاقة، فقد ذكر الأزرقي في أخبار مكة[87] أنه هو الذي غير ما كان على بئر زمزم وكان ذلك في سنة 220 هـ. وقد ذكر التنوخي في الفرج بعد الشدة ما يمكن الاستفادة منه أنه كان في المدينة وأنه كان يراقب آل أبي طالب ويفتش بيوتهم الأمر الذي أغضب المعتصم عليه، فأحضره وأمر بقتله، وأغلظ القول عليه بأنه هل أُمر أن يتعرف على خبر منازل آل أبي طالب؟ (مما يعني أن عمر كان يتجسس عليهم ويضيق عليهم) فأجابه بخبر كاذب بأنه بلغه عن واحد منهم أن أهل قم يكاتبونه![88] ويكفي هذا المقدار من الشواهد لبيان أن الرجل هذا كان صنيعة للخلفاء لهم (وملكيًّا أكثر من الملك) حتى هدده المعتصم بالعقوبة لتجاوزه حدوده، وفي هذه الفترة كان في الحرمين، فهل يصح بعد هذا أن يقال أنه لم يكن له علاقة بالمعتصم.. (ونحتمل أن هذا الرجل الآثم كان مختصا بأمور الطالبيين من وقت مبكر أيام المعتصم إلى أيام المتوكل بل بقي في هذا المنصب[89] إلى سنة 250 هـ!! مع تخلل فترات ربما لا يكون فيها في المدينة، فإنه مع سوء رأي المتوكل العباسي فيه وما كان بينهما من العداوة أيام الواثق إلا أنه مع ذلك جعله على أمور الطالبيين فعاملهم بقسوة بالغة..). د/ وأما قوله بأن هذا العنصر المثير مما تتوفر الدواعي على نقله، فلا نرى أكثر مما ذكر وهل سيظل الشيعة ورواتهم ومؤرخوهم يطبلون لأنّ عالما في النحو أو العربية قد استبصر واهتدى؟ إذن لطال الأمر وعرض.. فكم من أمثاله حصل لهم الهداية ولم يتوقف أحد عندهم إلا بمقدار نقل الرواية.. وهذا ما حصل هنا أيضًا. هـ / والقول بأن شيعة ذلك الزمان كانوا قوة وازنة مهمة.. كيف لهم أن يسكتوا على مثل هذا العمل الذي هو بمثابة غسيل دماغ وإقامة جبرية؟ جوابه: أن القسم الأول من الكلام هو تحليل انتهى إليه المؤلف وهو مسؤول عنه أما أن يُلزم غيره بها فلا.. وأما القسم الثاني فيقال: إن الشيعة قد سكتوا على استقدام أئمتهم من بلدانهم على خلاف إرادتهم فلم يكن هناك رد فعل.. وسجن أئمتهم وأيضا لم يكن هناك رد فعل وقتلوا بالسم وكذلك! فماذا عدا مما بدا؟ لم يكن الأئمة في وارد التصعيد والمجابهة في أي حالة من الحالات التي ذكرت، ولذلك سكت الشيعة أيضًا! وبناء على ما تقدم فإننا لا نرى وجهًا سليمًا مما ذكر للتشكيك في الرواية. لا سيما وأن راويها علي بن الحسين المسعودي وهو مَنْ هو في التثبت والخبرة التاريخية. 4/ وقد ذهب الشيخ المهاجر في كتابه المذكور ص 61 إلى أن الإمام الهادي كان في قرارة نفسه مرتاحًا للسفر إلى سامراء لما توفره العاصمة ـ كشأن كل العواصم ـ من إمكانيات متميزة في التواصل مع قواعده وشيعته باعتبار أن السفر إلى المدن الكبيرة والعواصم أمر طبيعي بخلاف مثل المدينة المنورة التي كانت في ذلك الوقت منطقة معزولة وبيئتها الجغرافية والسكانية قد لا تساعد على الأمر المذكور..

--> 87 ) الأزرقي؛ محمد بن عبد الله: أخبار مكة 2/ 102 «ثم عمره ‌عمر ‌بن ‌فرج ‌الرخجي في خلافة أبي إسحاق المعتصم بالله أمير المؤمنين في سنة عشرين ومائتين» 88 ) التنوخي؛ محسن بن علي: الفرج بعد الشدة 4/ 17: قَالَ مُحَمَّد بن عَبدُوس فِي كتاب الوزراء، حُكيَ عَن أبي عبد الله أَحْمد ابْن أبي داؤد، أَنه قَالَ: مَا صحب السُّلْطَان أرجل، وَلَا أَخبث من عمر بن فرج الرخجي، غضب عَلَيْهِ المعتصم يَوْمًا وهم بقتْله، وَأمر بإحضاره، فَجَاءُوا بِهِ وَقد نزف دَمه. فَقَالَ المعتصم: السَّيْف، يَا غُلَام، فَجعلت ركبتا عمر تصطكان. فَقلت: إِن رأى أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن يسْأَله عَن ذَنبه، فَلَعَلَّهُ أَن يخرج مِنْهُ بِعُذْر. فَقَالَ لَهُ: يَا ابْن الفاعلة، أَمرتك فِي ولد أبي طَالب أَن تتعرف خبر مَنَازِلهمْ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَلم فعلت ذَلِك؟ قَالَ عمر: إِنَّمَا فعلت ذَلِك لِأَنَّهُ بَلغنِي عَن وَاحِد مِنْهُم أَن أهل قُم يكاتبونه 89 ) يشير إلى ذلك ابن الأثير في الكامل 6/ 198 في حديثه عن خروج يحيى بن عمر ( ابي الحسين الطالبي) قال ابن الأثير «أَنَّ أَبَا الْحُسَيْنِ نَالَتْهُ ضِيقَةٌ، وَلَزِمَهُ دَيْنٌ ضَاقَ بِهِ ذَرْعًا، فَلَقِيَ ‌عُمَرَ ‌بْنَ ‌فَرَجٍ، وَهُوَ يَتَوَلَّى أَمْرَ الطَّالِبِيِّينَ، عِنْدَ مَقْدِمِهِ مِنْ خُرَاسَانَ، أَيَّامَ الْمُتَوَكِّلِ، فَكَلَّمَهُ فِي صِلَتِهِ، فَأَغْلَظَ لَهُ عُمَرُ الْقَوْلَ، وَحَبَسَهُ، فَلَمْ يَزَلْ مَحْبُوسًا».. فأنت ترى هذه القباحة والسفاهة منه من زمان المعتصم إلى ما بعد المتوكل أي ما يصل الى ثلاثين سنة!